يصرخ الطفل بسبب لعبة مكسورة، ويتشاجر على الأرجوحة، ويصمت وينسحب إلى غرفته بدلاً من أن يتكلم. كل هذا ليس «طبعاً سيئاً»، بل نقص في مهارة: فهو لا يعرف بعد كيف يتعرّف على مشاعره ويسمّيها ويتحمّلها. هذه المهارة، وهي الذكاء العاطفي، تُعلَّم كما تُعلَّم القراءة أو الحساب: تدريجياً، وعلى أمثلة حيّة، وعلى مدى سنوات.

ما هو الذكاء العاطفي ولماذا يحتاج إليه الطفل؟

الذكاء العاطفي (EQ) هو القدرة على التعرّف على مشاعرنا ومشاعر الآخرين، وفهم أسبابها، والتعبير عنها بالكلمات، والتعامل معها من دون أن نؤذي أنفسنا أو غيرنا. اقترح هذا المصطلح في أوائل التسعينيات عالما النفس Peter Salovey وJohn Mayer، ثم جعله كتاب Daniel Goleman معروفاً على نطاق واسع.

عملياً، يعني هذا للطفل أربعة أشياء: أن يلاحظ ما يجري داخله؛ وأن يستطيع التعبير عنه بالكلمات؛ وأن يعرف كيف يهدأ؛ وأن يفهم أن إلى جواره إنساناً له مشاعر مختلفة. والطفل الذي يتمتّع بذكاء عاطفي متطوّر يتحمّل الرفض بسهولة أكبر، ويتفاهم مع أقرانه بيسر، ونادراً ما يحلّ خلافاته بقبضتيه.

تنبيه مهم: الذكاء العاطفي ليس القدرة على أن تكون لطيفاً دائماً، ولا هو أسلوب للتأثير في الناس. فقد يفهم المرء مشاعر الآخرين ليتلاعب بهم أيضاً. ولهذا نربط دائماً العمل على المشاعر بالأخلاق: الشعور إشارة، أما كيفية الاستجابة لها فيختارها الإنسان بنفسه، وقد يكون هذا الاختيار نزيهاً أو غير نزيه.

من أي عمر ينبغي البدء في تنمية الذكاء العاطفي؟

يمكن البدء منذ اللحظة التي يشرع فيها الطفل في التفاعل مع وجهكم وصوتكم أصلاً. ما يتغيّر ليس حقيقة التعليم نفسها، بل ما يكون في مقدور الطفل. والمعالم التالية تقريبية، فالأطفال يسيرون في هذا الطريق بسرعات مختلفة.

كيف نعلّم الطفل تسمية مشاعره؟

ما دام الشعور بلا اسم، فهو الذي يتحكّم بالطفل. وما إن يحصل على اسم، يصبح من الممكن التعامل معه. ومهمة الكبير أن يكون مترجماً لا ممتحِناً: ليس «قل لي ما هذا الشعور»، بل افتراضاً هادئاً يُقال بصوت مسموع.

كيف نساعد الطفل على التعامل مع المشاعر القوية؟

النقطة الجوهرية التي تغيّر كل شيء: التهدئة أولاً، ثم التوضيح. في لحظة الانفجار يكون الطفل عاجزاً جسدياً عن استيعاب الحجج، والحديث عن القواعد له معنى بعد أن تهدأ العاصفة.

وإذا كنتم أنتم أيضاً تغلون مع الطفل، فعليكم أن تبدؤوا بأنفسكم، وهذا حديث منفصل: كيف لا تغضب من طفلك.

كيف ننمّي التعاطف عند الطفل؟

التعاطف ليس شفقة، ولا واجباً بإنقاذ الجميع. إنه القدرة على أن تلاحظ أن الآخر يعاني، وأن تأخذ ذلك في الحسبان عند اختيارك. وينمو من أمرَين: من تجربة أن مشاعرك قد لوحظت، ومن عادة طرح السؤال «وكيف حاله هو؟».

تحليل مفصّل مستقل في مقال عن تنمية التعاطف عند الأطفال.

كيف نعلّم الطفل أن يتكلّم عن مشاعره بدلاً من إظهارها بالسلوك؟

يتذمّر الأطفال ويصمتون ويتشاجرون أو يكسرون الأشياء «عن غير قصد» حين لا يجدون الكلمات. إذاً لا بدّ من إعطائهم الكلمات، ومن أن يكون استعمالها مجدياً لهم: فإذا أُنصت إلى الطفل بعد أن قال «أنا مستاء»، يتراجع السلوك تدريجياً ليحلّ الكلام مكانه.

كيف نعلّم الطفل حلّ الخلافات من دون صراخ أو عراك؟

الخلاف ليس خللاً، بل جزء طبيعي من العلاقات؛ والمهارة لا تكمن في تجنّبه، بل في الخروج منه من دون إذلال أحد. من المفيد أن تراجعوا معاً ثلاث خطوات: أن تقول ما عندك، وأن تسمع الآخر، وأن تجدا حلاً.

وإذا كانت الخلافات تدور في حلقة مفرغة بين الإخوة والأخوات، فاطّلعوا على تحليل التنافس بين الأشقاء والغيرة عند الأطفال.

ما الذي تقوله الأبحاث؟

ثلاث دراسات تقف وراء النصائح أعلاه. ولكل منها بيان بما أظهرته، وبما لا تثبته.

القدرة على فهم المشاعر وتنظيمها في سنّ 3–4 سنوات تتنبّأ بمدى تقبّل الأقران للطفل في الصف التمهيدي

من ومع من. Susanne Denham وزملاؤها، 2003، Child Development. 143 طفلاً في سن ما قبل المدرسة؛ قُيّم لديهم التعبير عن المشاعر وتنظيمها ومعرفتها، أما الكفاءة الاجتماعية فقُيّمت من خلال تفضيلات الأقران وتقديرات المربّين، في الوقت نفسه وبعد مرور فترة.

ماذا وجدوا. أسهمت الكفاءة العاطفية في سنّ 3–4 سنوات في الكفاءة الاجتماعية، سواء في اللحظة نفسها أو لاحقاً في الصف التمهيدي. ويستخلص المؤلفون أن إسهام الكفاءة العاطفية له عواقب بعيدة المدى منذ بداية سنوات ما قبل المدرسة.

ما الذي لا تثبته. بلد واحد، 143 طفلاً، ارتباطات لا تجربة. لكنها حجة تؤيد البدء بتسمية المشاعر مبكراً: فقاموس المشاعر ليس «علم نفس للكبار»، بل ما يساعد الطفل بين الأطفال الآخرين.

فهم أن الآخر يفكّر بطريقة مختلفة يتشكّل في سنوات ما قبل المدرسة، في كل البلدان

من ومع من. Henry Wellman وDavid Cross وJulanne Watson، 2001، Child Development. تحليل تلوي لـ178 دراسة عن مهام «الاعتقاد الخاطئ»، وهو اختبار لما إذا كان الطفل يفهم أن شخصاً آخر قد يعتبر حقيقةً ما ليس حقيقياً في الواقع.

ماذا وجدوا. انتقل أطفال ما قبل المدرسة من نتائج أدنى من مستوى الصدفة إلى نتائج أعلى منه، وتكرّرت هذه الصورة في بلدان مختلفة وفي صيغ مختلفة من المهمة. ويستخلص المؤلفون أن الأمر يتعلّق بتحوّل حقيقي في فهم عقل الآخر خلال سنوات ما قبل المدرسة، لا بأثر جانبي للمهام.

ما الذي لا تثبته. اختبار الاعتقاد الخاطئ ليس اختباراً للذكاء العاطفي عموماً: فهو يتعلّق بفهم أفكار الآخرين، أي «نظرية العقل» نفسها المذكورة في المعالم العمرية أعلاه. لكنه يبيّن لماذا يبدأ السؤال «وبماذا شعر هو؟» في إعطاء نتائج في سنّ 4–6 سنوات، لا قبل ذلك.

التعلّم الاجتماعي العاطفي في المدرسة ينجح، فالمهارة قابلة للتعليم

من ومع من. Joseph Durlak وزملاؤه، 2011، Child Development. تحليل تلوي لـ213 برنامجاً مدرسياً شاملاً للتعلّم الاجتماعي العاطفي، شمل 270,034 تلميذاً من الصف التمهيدي إلى الصفوف الثانوية.

ماذا وجدوا. مقارنةً بالمجموعات الضابطة، حسّن المشاركون بشكل ملموس مهاراتهم الاجتماعية العاطفية ومواقفهم وسلوكهم وتحصيلهم الدراسي، وبلغت الزيادة في التحصيل 11 نقطة مئينية. وقد نفّذ البرامج بنجاح معلّمو المدارس أنفسهم؛ واعتمدت النتيجة على أربع ممارسات موصى بها لتنمية المهارات وعلى مشكلات التطبيق.

ما الذي لا تثبته. برامج مدرسية لا أسرية؛ والتحليل التلوي يحسب متوسط برامج شديدة التباين، وبعض الآثار مبنية على تقارير ذاتية. لكن الأهم هنا بالنسبة إلى الوالدين: المهارة قابلة للتعليم وتُتعلَّم كما تُتعلَّم القراءة، بشكل منهجي، خطوة خطوة، وعلى مدى سنوات.

الخلاصة للوالدين من الدراسات الثلاث واحدة: الذكاء العاطفي مهارة لا سمة؛ تُوضع أسسه في سنّ 3–6 سنوات، ويأتي فهم عقل الآخر في سنوات ما قبل المدرسة، ويمكن تعليمه بشكل منهجي، في البيت كما في المدرسة.

أي أخطاء الوالدين تعيق تنمية الذكاء العاطفي؟

ماذا نفعل إذا لم ينجح أي شيء؟

أولاً: راجعوا المدة. التحوّل الملموس في التنظيم الذاتي يستغرق شهوراً لا أياماً، والتراجعات عند الإرهاق أو المرض أو الانتقال إلى مسكن جديد أو بداية العام الدراسي أمر طبيعي. ثانياً: انظروا إلى الأساسيات؛ فقلّة النوم والجوع يبطلان أي أسلوب، وكثيراً ما ينبغي البدء بتنظيم الروتين اليومي لا بالحديث عن المشاعر.

هناك حالات لا تكفي فيها الجهود المنزلية وينبغي فيها التوجّه إلى طبيب نفسي للأطفال: نوبات عدوانية تشكّل خطراً على الطفل أو على غيره؛ تغيّر حاد في السلوك من دون سبب مفهوم؛ إيذاء الطفل نفسه بشكل منهجي؛ مخاوف وقلق يمنعان النوم أو الأكل أو الذهاب إلى المدرسة. والتوجّه إلى اختصاصي ليس اعترافاً بالفشل، بل خطوة عاقلة تماماً كزيارة الطبيب.

والأهم: يتعلّم الطفل التعامل مع مشاعره أولاً وقبل كل شيء من طريقتكم أنتم في ذلك: كيف تغضبون، وكيف تعتذرون، وكيف تطلبون المساعدة، وكيف تعترفون بالخطأ. إنه عمل طويل، لكنه هو بالذات ما يمنح الطفل سنداً لحياته كلها: أن يفهم نفسه، ويراعي الآخرين، ويختار أفعاله بوعي.

تحليلات لمواقف محدّدة تُحتاج فيها هذه المهارات هنا والآن: «أنا غبي» وتقدير الذات، تلميذ الصف الأول لا يريد الذهاب إلى المدرسة، الدموع عند الوداع في الروضة.

المصادر

  1. Denham S. A., Blair K. A., DeMulder E., Levitas J., Sawyer K., Auerbach-Major S., Queenan P. Preschool emotional competence: Pathway to social competence? Child Development, 2003, 74(1), 238–256. doi:10.1111/1467-8624.00533
  2. Wellman H. M., Cross D., Watson J. Meta-analysis of theory-of-mind development: The truth about false belief. Child Development, 2001, 72(3), 655–684. doi:10.1111/1467-8624.00304
  3. Durlak J. A., Weissberg R. P., Dymnicki A. B., Taylor R. D., Schellinger K. B. The impact of enhancing students' social and emotional learning: A meta-analysis of school-based universal interventions. Child Development, 2011, 82(1), 405–432. doi:10.1111/j.1467-8624.2010.01564.x

المعالم العمرية خريطة لا معيار إلزامي. هذه المادة لا تحلّ محل الاستشارة الحضورية لدى اختصاصي.